السيد محمد تقي المدرسي
254
من هدى القرآن
لقد سما موسى عليه السلام في لحظة إلى أفق النبوة ، من حملة الرسالات الإلهية فأضحى ينفذ الأمر بلا خشية ولا تردد ، حقا ما أعظم التحول الذي ينشئه الوحي في هذا البشر الضعيف . أن يعرج به إلى قوة تتسامى فوق كل قوة مادية لأنه يقربه إلى رب القدرة والجبروت . والرسول يجب أن لا يخاف ، لأنه يعتمد في تحركه على قوة غيبية مطلقة . [ 11 ] إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ الذي ينبغي أن يخاف أمام الله ليس موسى عليه السلام ولا الأنبياء والمرسلون عليهم السلام ، وإنما الظالمون بسبب ذنوبهم وسيئاتهم ، ولماذا نخاف من الله وهو أرحم الراحمين ؟ ! إلا إن المشكلة تبدأ منا وتنتهي إلينا بسبب الذنوب والمعاصي ، فالطبيعة مثلا خلقها الله لنا فلا نخاف منها ، بل نخاف من عدم قدرتنا على الاستفادة السليمة منها . وحتى الظالم صاحب الذنوب يمكنه أن يتوب ليجد الله غفورا رحيما ، فلا يبقى ما يقلقه أو يخيفه . [ 12 ] وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ قد يصيب البياض يد الإنسان بسبب البرص وهذا سوء ، ولكن يد موسى لم يكن بها ذلك المرض ، وإنما خرجت بشعاع من نور . فِي تِسْعِ آيَاتٍ سبع منها آيات إنذار وعذاب وهي : الدم ، والقمل ، والجراد ، والضفادع ، والطوفان ، والثعبان ، وانفلاق البحر ، واثنتان منها آيتان للرحمة وهما : اليد البيضاء ، وانبجاس عيون الماء من الصخرة حين ضربها موسى عليه السلام بالعصا . إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ والفسق هو تجاوز الحد ، وانحراف السائر عن الطريق يسمى فسقا . [ 13 ] فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ لآيات كانت جلية ولا تقبل الشك ، ولكنهم اتهموا موسى عليه السلام بالسحر ليبرروا كفرهم بها ، ولأنهم أرادوا ظلم الناس والاستكبار في الأرض فكانت الرسالة الإلهية تمنعهم منها لذا فإنهم اتهموا الرسالة بالسحر ، وكفروا بها بعد أن أيقنت أنفسهم بصدقها ، وأفسدوا ، وأنهى الله كيانهم ، وأغرقهم في اليم ، وجعلهم عبرة للمؤمنين . [ 14 ] وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ لا يتم التكامل إلى درجة الإيمان بمجرد تراكم الخبرة أو تواتر الأدلة على الحق . وإنما الإيمان تحول نوعي عند من يعقد العزم على الاستجابة لتلك الخبرة والأدلة . والاستجابة